المواطنة: الجامع بين الأخوّة الإيمانية والأخوّة الإنسانية        

المواطنة: الجامع بين الأخوّة الإيمانية والأخوّة الإنسانية                                    الدكتور زيد احمد المحيسن                                                                     في زمن التنازع على الهويات، والانغلاق داخل قوقعة الطوائف والأعراق، تطلّ "المواطنة" كمفهوم حضاريّ جامع، تتلاقى فيه الأخوّة الإيمانية مع الأخوّة الإنسانية، ليتجلّى الإنسان في أسمى تجلياته، بوصفه كائناً ذا كرامة، يحق له أن ينتمي، ويصون انتماءه بالمسؤولية، كما يصونه بالحقوق. المواطنة ليست مجرّد إقامة في وطن، ولا هي عقد إداريّ بين الحاكم والمحكوم، بل هي انتماء حرّ، واعٍ، ومسؤول، يتجاوز حدود الأوراق الرسمية إلى عمق الشعور بالمسؤولية تجاه الإنسان، أرضًا كان أم فكراً. يقول المفكّر الفرنسي أرنست رينان: "الوطن ليس الأرض، بل هو الإرادة المشتركة للعيش معًا"، وهذه الإرادة لا تقوم إلا على اعتراف متبادل وتقدير للكرامة الإنسانية. حين نتأمل المواطنة في ضوء الأخوّة الإيمانية، نكتشف أنّ الإيمان الصادق لا يُقوّض قيم التعايش، بل يعزّزها. فالدين الحق، في جوهره، لا يُقصي الآخر، بل يحتفي به بوصفه شريكًا في المعنى، وجارًا في المصير، وأخًا في الإنسانية. ألم يقل علي بن أبي طالب –كرم الله وجهه– في واحدة من أبلغ عبارات الفقه الإنساني: "الناس صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق"؟ هكذا يُبنى جسد المواطنة على روح التسامح، وعلى أساس من العدل، والاحترام المتبادل. أما من جهة الأخوّة الإنسانية، فإن المواطنة هي الأفق الذي تذوب فيه كل أشكال التمييز، سواء كانت دينية أو عرقية أو ثقافية. فالمواطن الحق لا يُقيَّم بمعتقده أو لونه أو نسبه، بل بقدر التزامه بقيم الخير العام، وسعيه للنهوض بوطنه. وبهذا المعنى، فإن المواطنة تصبح رحمًا جديدًا يولد فيه الإنسان من جديد، لا بيولوجيًا، بل أخلاقيًا وفكريًا، حيث تتلاقى القيم الكبرى: الحرية، الكرامة، العدالة، والحق في الاختلاف. لقد أدرك كبار المفكرين أن الإنسان لا يُعرّف فقط بما هو، بل أيضًا بانتمائه، وأسلوبه في الحضور. يقول جان جاك روسو: "أن تكون إنسانًا هو أن تكون مواطنًا". فالمواطنة ليست مجرد حالة قانونية، بل هي مقام أخلاقي، يمارس فيه الفرد فضائله عبر العيش مع الآخر، لا عليه. في هذا السياق، تُصبح المواطنة فضاءً تربويًا أيضًا، نعلّم فيه أبناءنا كيف يحبّون أوطانهم، لا عبر التغني بالأناشيد فقط، بل عبر احترام القوانين، وحماية البيئة، وتقدير الاختلاف، والمشاركة في القرار. فالمواطنة الحقيقية تخلق شعبًا فاعلاً، لا تابعًا؛ ناقدًا، لا مقلدًا؛ حارسًا للكرامة، لا متواطئًا مع الظلم. إننا اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة المفهوم النبيل للمواطنة، بوصفها ذلك "الجامع الحضاري" الذي لا يلغي الاختلاف، بل يصهره في بوتقة الوحدة. فالوطن لا يكون وطنًا بحق، ما لم يشعر كل من فيه أنه مُحتَضَن، لا مُتَّهَم؛ شريك، لا دخيل. وختامًا، المواطنة هي التجلي الأخلاقي العميق لمعنى الإنسان فينا، هي الجسر بين الإيمان والعدالة، بين الروح والحق، بين الفرد والمجتمع. وهي في عمقها ليست مجرد "هوية قانونية"، بل "رسالة حضارية"، تحملنا إلى أفق الإنسانية الأرحب، حيث يكون الإنسان أولًا.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.