يبدو أن الصلاحية الذاتية للإسلام و تساوقه العجيب مع الفطرة يقفان حجر عثرة أمام ذبذبات الشك التي تستهدف وجدان المسلم المعاصر وعقله ، و تجتاح بين الفينة و الأخرى فضاءنا المعرفي في صورة أبحاث و دراسات ومشاريع فكرية. فتطوير آليات المواجهة و نسف الحقائق الثابتة لن يتوقفا مادام المسلمون موقنين بأن الدين عند الله هو الإسلام ،وأن النبوة المحمدية اصطفاء إلهي و ليست تجربة تاريخية ، أو مواهب فطرية لرجل قرر لم شعث البدو في جزيرة العرب.
إن الدراسة الاستشراقية المعاصرة ، في حيز مهم من إصداراتها و تصريحات أقطابها ، لا تخفي انكبابها على كل ما من شأنه قطع حبال عقيدتنا الموصولة بالسماء ، و تبرير الامتداد الزماني و الجغرافي لهذا الدين بكونه وليد عبقرية أرضية هيأ لها المناخ السياسي و الاجتماعي آنذاك فرصة ثمينة لإخراج العرب من ضيق القبيلة إلى سعة الدولة ، ثم تأسيس امبراطورية .
و لعل أشق ما واجهه البحث الاستشراقي المنحاز لموقف إيديولوجي مناويء للإسلام هو قائمة المعجزات و الآيات الخارقة للعادة ، سواء تلك التي شكلت لحظات مفصلية في مسيرة البناء العقدي ، أو التي سعت إلى تأكيد نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، و تشريفه من دون سائر الخلق بتجليات العناية الإلهية . لذا نجد الكتابة الاستشراقية المغرضة موزعة بين إنكارالمعجزات جملة و تفصيلا باعتبارها أموراً لا يتقبلها العقل ، و بين إدراجها ضمن سياق يقطع صلتها بالسماء ، كالحديث عن كونها وليدة اختلالات نفسية ، أو ثمرة الاتكاء على ضروب السحر و الكهانة لتأكيد زعامة جامحة !
وتندرج حادثة الإسراء و المعراج ضمن أكثر المعجزات تحريكا لضغائن هؤلاء بعد حادثة غار حراء، فكلتاهما تفضحان طوية الباحث الغربي عند مراجعته لأحداث السيرة النبوية : إما الإقرار بحدوثهما و بالتالي الاعتراف ضمنا بالإسلام كرسالة سماوية ، و إما المناورة و الافتئات و الارتهان لطرح كنسي ساذج،لا يصمد أمام التحليل الهاديء و الموضوعي . قد يبدو الانشغال هنا بموقف " الآخر" من هذا الحدث الفريد هيناً و لا يستحق أن يُلتفت إليه، في النصوص الدينية غنية وكفاية لمن كان له عقل و قلب سليم، لكن ما يثير مخاوفنا هو انسياق المسلم المعاصر خلف هذه القراءة المغرضة التي ترتدي مسوح العلمية و الطرح الأكاديمي البحت ، مما يزج به في دوامة شك و ارتياب إزاء ثوابت الدين ويقينياته .
إن المعاني و الدلالات التي تنطوي عليها حادثة الإسراء و المعراج تستحثنا لاستعراض قراءتين متجاورتين بشكل غريب . تختلفان من حيث المنبع، لكنهما تلتقيان عند مصب واحد هو الوقوف عند حافة "العجائبي" في رصدهما لتفاصيل هذه الحادثة . أما القراءة الأولى ، كما أوردنا آنفا ، فلا تعدو أن تكون تعبيراً عن موقف إيديولوجي يرى في هذا الدين عدواً لدوداً للحضارة الغربية المسيحية ، في حين أن القراءة الأخرى إسلامية تبسيطية ومختزلة ، تجنح في الغالب إلى الاكتفاء بتخريج الأحاديث و بيان صحيحها و سقيمها ، ثم إعادة سردها ضمن سياق حكائي قلما يعنى بالدلالات المتجددة . و ليس في الأمر انتقاص من جهد الغربلة الذي اضطلع به السلف الصالح، و لامن المبادرة إلى توحيد الآراء المتباينة حول بعض التفاصيل ، كالخلاف حول الرحلة هل كانت بالجسد أم بالروح ؟ و رؤيته - صلى الله عليه وسلم - لربه تبارك و تعالى هل تمت بالعين أم بالفؤاد ؟ ومن المعني بالدنو و التدلي ، أهو الرب تعالى أم جبريل عليه السلام ؟ إلى غيرها مما لا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل و لا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل كما قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم . هذا الجهد المبارك مكنّ المسلم من التحرك داخل إطار معرفي وديني متماسك لا تضره الشبهات، و لا تفتنه صيحات محترفي التشكيك . لكننا اليوم أحوج ما نكون إلى قراءة متجددة، تستجلي ما وراء الحدث ، و تعيد صياغة مبحث السيرة النبوية عموماً وفق لغة وخطاب يُؤهلان المسلم المعاصر لمجابهة ألوان الغزو الفكري التي تستهدف عقيدته .
• القراءة المغرضة :
" تهجد العراف" ، إنه التشبيه الذي يعتمده كارل بروكلمان لوصف حادثة الإسراء و المعراج ، في إحالة منه على الأوهام و الهلوسات التي تطبع الرؤى الدينية لدى الشعوب البدائية . ومعلوم أن بروكلمان يُصنف في خانة المستشرقين الذين يُخالفون كل الروايات الإسلامية الصحيحة ، و يكتبون ، لا من باب إثبات حقائق بل لتدعيم أطروحات كنسية لا تحتاج – بزعمهم- إلى دليل ، وفي مقدمتها أن عالم النبي الفكري منبثق عن اليهودية و النصرانية ، وأن محمد - صلى الله عليه وسلم - كيّفه تكييفاً بارعاً ليلائم الحاجات الدينية لشعبه . بل إن بروكلمان لا يتورع أن يضيف - وهو الدارس للغات القديمة - مصادر أخرى اقتبس منها النبي مقولاته الدينية و أهمها الآرامية و الفارسية و البابلية ! (1)
أما الباحثة البريطانية كارين آرمسترونغ التي كال لها بعض كتابنا المسلمين الثناء لتقديمها شهادة موضوعية ، - برأيهم - عن محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا تتورع عن استحضار الإرث المسيحي المتعصب إزاء كل ما يحيل على عموم الرسالة المحمدية و عالميتها . فهي تلجأ للنفي الصريح كما في موقفها من الرسائل النبوية إلى حكام العالم آنذاك ، حين أعلنت دون مواربة أن هذ الخبر مدسوس لأن محمدا - صلى الله عليه وسلم- لم يكن يرى أن الإسلام دين عالمي سيلغي ما أنزل على أهل الكتاب . كما تعتمد النسف الذكي حين تصهر حادثة الإسراء و المعراج في قالب واحد مع الطقوس اليهودية و البوذية ! فرحلة المعراج كما وردت في المصادر الإسلامية تتشابه - برأيها - مع تجربة "تصوف العرش" في التقاليد اليهودية و التي شاعت من القرن الثاني حتى القرن العاشر للميلاد ، حيث يقوم الموهوبون بإعداد أنفسهم للتحليق الصوفي و الرحلة إلى عرش الله من خلال تدريبات خاصة كالصوم و قراءة أوراد معينة ، بل واللجوء لبعض الحيل و الأساليب البدنية الخاصة كوضع الرؤوس بين الرُكب على نحو ما كان يصنع محمد بحسب الروايات الإسلامية ! وبعد ذلك يشعرون أنهم بدأوا رحلة صعود تكتنفها المخاطر إلى عرش الله . وكانوا ، شأنهم في ذلك شأن المسلمين ، يصفون الرؤية العلوية القصوى بأساليب تقوم على المفارقة و تستعصي في جوهرها على الوصف و التعبير . كما يشبه المعراج نفسه تجربة الدخول في سلك كهنوت الشامانيين ، و التي مازالت تحدث في أرجاء شمالي آسيا و أمريكا. وحتى العقائد الوثنية لا تخلو من تجارب مماثلة ، فبلوغ سدرة المنتهى يرمز في الإسلام ، كما في التقاليد الهندوسية إلى الحد الأقصى للمعرفة الإنسانية . أما المشاهدات النبوية في هذه الرحلة فليست سوى تصوير رمزي ناشيء ، كما في البوذية ، عن الإحساس بالمطلق و الامتداد الشاسع للوحي . إن الأمر لا يعدو أن يكون "حالة " طبيعية محضة يُولدها انضغاط الوعي الإنساني و ليس نتيجة اللقاء مع "الآخر" ! (2)
وعلى غرار آرمسترونغ يمضي كولين تيرنر في تجريد الحدث من طابعه المعجز،من خلال التأكيد على أن ما عاشه محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن سوى تجربة روحية ونفسية حدثت أثناء نومه ، وأنه التقى في منامه بجميع الأنبياء و الرسل مما كان له الأثر الكبير في تعزيز ثقته بنبوته ، و تأهيله لتحمل الآتي من الصعاب .(3)
• القراءة المختزلة :
ونعني بها كل قراءة تقف بمحاذاة النص غافلة أو غير عابئة بما يضج به الواقع من أسئلة و إشكالات و احتياجات .إنها القراءة التي تتعامل مع النص باعتباره إرثا معرفياً جاهزاً ، و نسقا مغلقا تلجه لا لتثوير مضامينه، وتحيينها و تأهيل المسلم المعاصر للتعاطي معها بفاعلية، وإنما للسرد التاريخي دون تعليل ، و الخوض في مسائل خلافية لا تناسب إطارها الزمني . إن كثيراً ممن ألفوا في السيرة النبوية ، كما لاحظ العلامة محمد فريد وجدي ، كان معتمدهم على الأساليب البيانية و البراعة الخطابية ، ولم يعنوا بحاجة العقول المجبولة على التشكك إلى الاطمئنان المتثبت . إن مثقفي اليوم لم يعودوا يقنعون بسرد الأحداث التاريخية دون تعليل ، مما يقتضي عرضها في لون فكري يرضي كل متعطش للمعرفة ، ويُقنع من يمتري في الحق لشكوك تقوم في نفسه .(4)
تقف القراءة المختزلة لحادثة الإسراء و المعراج عند حدود التهذيب و التشذيب و جرد أقوال السلف . وهو جهد لا ننكر الحاجة إليه خاصة بعد أن عمدت الذاكرة الشعبية إلى مزج تفاصيل الرحلة بتأملات المتصوفة و الشعراء و خيال القصاصين ، حتى اندرجت في خانة الأساطير التي يُغذي بها المستشرقون مطاعنهم . غير أن هذا الجهد لا يفي اليوم بالغرض ، ولا يستجيب لألوان القلق الفكري التي تغذيها اليوم أبحاث و دراسات و إصدارات ، تعتمد مناهج و رؤى نقدية حديثة ، تتغلغل بليونة وخبث في النسيج الأكاديمي العربي و الإسلامي متلفعة برداء الحياد و العلمية .
• بين القراءتين :
وحدها الحركة الحرة للفكر داخل حدود النص كفيلة بالتأسيس لقراءة متجددة , وإحداث نقلة معرفية في الحقل الديني تستجيب لأسئلة الحاضر ورهاناته . إنه الأمر الذي تنبه له بعض كتاب السيرة النبوية في العقود الأخيرة فحققوا انزياحا ملفتاً عن الكتابة النمطية في مجال السيرة النبوية ، وارتادوا آفاقا جديدة في الفهم و تفكيك الوقائع و استنطاق الأحداث ، مما أهل كتاباتهم لاستعادة التقارب بين عالم الدعوة الأولى وواقعنا المعاصر .
يكشف الدكتور مصطفى السباعي في كتابه الماتع" السيرة النبوية دروس و عبر " عن ثلاثة أسرار بليغة أثمرتها رحلة الإسراء و المعراج . أولها هو ربط قضية المسجد الأقصى وفلسطين بقضية العالم الإسلامي ، فأصبح الدفاع عنهما دفاعا عن الإسلام نفسه و التفريط فيه تفريط في جنب الله وجناية يعاقب عليها الله ورسوله. وثانيها هو الإحالة على ما ينبغي أن ينفرد به المسلم من سمو وعلو مكانة و لزوم للصلوات الخمس التي يتحقق بها عروج روحي شبيه بمعراج الرسول، أما ثالثها : ففيه الإشارة إلى إمكان ارتياد الفضاء و الخروج عن نطاق الجاذبية الأرضية . فلقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم أول رائد للفضاء في تاريخ العالم كله ، وأثبت أن ريادة الفضاء و العودة بسلام إلى الأرض أمر ممكن ، إن وقع بالمعجزة في عصره فإنه يقع للناس عن طريق العلم و الفكر . (5) أما الشيخ أبو الحسن الندوي فيعلن أن هذه الرحلة النبوية الغيبية اشتملت على معان و إشارات حكيمة بعيدة المدى ، أهمها أنها شكلت خطا فاصلا بين الناحية الضيقة المحلية المؤقتة ، وبين الشخصية النبوية الخالدة العالمية . فلو تعلق الأمر بزعيم أمة أو قائد عظيم فحسب لما كان هناك داع لهذه السياحة في الملكوت ،و لهذا الاتصال الجديد بين الأرض و السماء . إنها معجزة أثبتت أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليس من طراز القادة الذين لا تتجاوز مواهبهم وجهودهم حدود البيئات التي ينبعون منها ، و إنما هو من جماعة الأنبياء و الرسل الذين يحملون رسالات السماء إلى الأرض ، و رسالات الخالق إلى الخلق ، فتسعد بهم الإنسانية على اختلاف شعوبها وطبقاتها و أجيالها . (6)
في حين يستهل الشيخ محمد الغزالي جرده للمعاني المتصلة بهذه الرحلة العجيبة بسؤال مفاده : لماذا كانت الرحلة إلى بيت المقدس ، ولم تبدأ من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى مباشرة ؟ فيلفت انتباهنا إلى دلالة تدق على السذج ، كما قال - رحمه الله - , وهي أن النبوات ظلت دهوراً طوالاً وقفا على بني إسرائيل ، وظل بيت المقدس مهبط الوحي ، و مشرق أنواره على الأرض و قصبة الوطن المحبب إلى شعب الله المختار ، فلما أهدر اليهود كرامة الوحي و أسقطوا أحكام السماء ، حلت بهم لعنة الله ، وتقرر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد ! ومن ثم كان مجيء الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم انتقالاً بالقيادة الروحية في العالم من أمة إلى أمة، ومن بلد إلى بلد ، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل . وحدوث الإسراء و المعراج في منتصف فترة الرسالة التي دامت ثلاثة وعشرين عاما مرده إلى أن القصد من الخوارق و المعجزات في سير المرسلين الأولين هو قهر الأمم على الاقتناع بصدق النبوة ، أما في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم فقد تكفل القرآن بإقناع أولي النُهى من أول يوم ، في حين جاءت المعجزات ضرباً من التكريم لشخص النبي غير معطلة للمنهج العقلي الذي اشترعه القرآن .
أما التحيات المتبادلة بين النبي و إخوته السابقين ، و استقبالهم له بهذه الكلمة : مرحبا بالأخ الصالح ! ففيهما إشارة إلى أنه مرسل لتكملة البناء الذي تعهدوه , وأن بالإمكان اليوم - لو خلصت النوايا ونُشد الحق - أن توضع أسس عادلة لوحدة دينية ، تقوم على احترام المباديء المشتركة وإبعاد الهوى عن استغلال الفروق الأخرى إلى أن تزول على الزمن أو تنكسر حدتها . والإسلام الذي تعد تعاليمه امتدادا للنبوات الأولى ، و لبنة مضافة إلى بنائها العتيد ، أول من يرحب بهذا الاتجاه ويزكيه . (7)
إن حادثة الإسراء و المعراج لم تكن ضيافة كريمة من الله ، وتطييباً لخاطر النبي بعدما لقيه من عنت و اضطهاد في مكة و الطائف فحسب .ولم تقف حتما عند مرمى فرض الصلوات الخمس ، بل انطوت على معان و إشارات ثاوية في دقائقها و تفاصيلها . فهل تبري الكتابة الإسلامية المعاصرة أقلامها سعيا نحو قراءة متجددة تحقق التمازج الحكيم بين الاستنطاق الهاديء و الاندفاعة العاطفية ؟ ذلك ما نأمله !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ عبد الله محمد الأمين النعيم : الاستشراق في السيرة النبوية . المعهد العالمي للفكر الإسلامي . ط 1/ 1997 .ص49
2ـ كارين آرمسترونغ : سيرة النبي محمد . دار النشر سطور. القاهرة 1998 . ص 210-214 بتصرف
3ـ كولين تيرنر . الإسلام : الأسس . الشبكة العربية للنشر . بيروت 2009 . ص 47-48
4ـ محمد فريد وجدي : السيرة المحمدية تحت ضوء العلم و الفلسفة . الدار المصرية اللبنانية .ط 1 /1993 .ص13-14 بتصرف 5ـ مصطفى السباعي : السيرة النبوية دروس و عبر . المكتب الإسلامي . بيروت 1985 . ص 58-59
6-أبو الحسن الندوي : السيرة النبوية . دار الشروق . جدة 1989 . ص 150
7ـ الشيخ محمد الغزالي : فقه السيرة . دار الشروق , د.ت . ص 101 -104 بتصرف
بقلم : حميد بن خبيش
الإسراء و المعراج : هل تعوزنا قراءة جديدة ؟